إسلامياتبريد أنباء وادانمحلية

وأمرهم شورى بينهم… فلا وصاية بعد اليوم ولا زعامة بغير إرادة الناس

قال تعالى في كتابه العزيز:”وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ” (الشورى: 38)

إنها آية جامعة، اختزلت فلسفة الحكم، وأساس القيادة، ومنهج إدارة شؤون الناس.

“وأمرهم شورى بينهم” ليست جملة عابرة في كتاب الله، بل تشريع رباني، رسم به الله سبحانه ملامح المجتمع المؤمن، الذي لا يقوم على الاستبداد، ولا يعرف الإكراه، ولا يقبل أن يساق الناس سوقا دون رأي أو مشورة.

فالشورى في الإسلام ليست تفضلا من الحاكم، ولا خيارا نخبويا يمارس من باب المجاملة، بل هي فرض شرعي، وسنة نبوية، وسلوك سياسي واجتماعي يرقى إلى مستوى العبادة حين يراد به وجه الله، وإصلاح أحوال الأمة.

لقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أسمى تجسيد، وهو المؤيد بالوحي، فكان أكثر الناس مشورة لأصحابه.

قال الله له: “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله” (آل عمران: 159).

والمواقف شاهدة:

شاورهم في غزوة بدر، وهو يعلم أن الله وعده إحدى الطائفتين،

وشاورهم في غزوة أحد، فأخذ برأي الشباب، رغم أنه كان يرى خلاف ذلك،

وشاورهم في غزوة الخندق، فكان الرأي لسلمان الفارسي بحفر الخندق،

وشاورهم في صلح الحديبية، وفي فداء أسرى بدر، وحتى في أمور الأسرة والدنيا.

فكيف بمن بعده؟ كيف بمن لا يوحى إليه، ولا يعصمه الله؟ أليس أولى أن يكون الشورى منهجه، والناس مصدر شرعيته؟

إن أي زعامة أو قيادة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو قبلية أو تنموية، لا تنبع من إرادة الناس الحرة، فهي قيادة باطلة في ميزان الشرع والعقل.

لا وجود في الإسلام لشيء اسمه الزعيم الوراثي، أو الأمير المفروض بالأمر الواقع، أو شيخ القبيلة الذي لا يسأل ولا ينتقد.

بل كل قيادة يجب أن تقوم على الاختيار الحر، والمنافسة العادلة، والقبول الشعبي.

ولقد أجمع علماء المذاهب الأربعة على أن الإمامة – أي السلطة – لا تكتسب إلا عن طريق البيعة أو التراضي أو أهل الحل والعقد.

قال الإمام الشافعي: “ولا يكون الإمام إلا عن رضا واختيار”

وقال الإمام مالك: “إن الإمامة لا تنعقد إلا برضا أهل الإسلام”

والحنابلة والحنفية كذلك يرون أن السلطة لا تثبت إلا بالشورى والقبول العام، لا بالقوة ولا بالوراثة.

وفي عالمنا المعاصر، تجلت الشورى في أرقى صورها في الانتخابات النزيهة، وفي صناديق الاقتراع، التي أصبحت رمزا للشرعية، وصوتا للضمير الجمعي، وحكما فصلا في النزاعات والخلافات.

لقد ولى زمن “أنا الزعيم لأن أبي كان كذلك”، وولى زمن “أنا الأمير لأن عائلتي توارثت الزعامة”، وولى زمن “أنا المتحدث باسمكم رغما عنكم”.

نحن اليوم نعيش زمن الوعي، والكرامة، وحرية الإرادة.

لم يعد الناس يقبلون بوصاية أحد عليهم، ولا بأصوات تتحدث باسمهم دون تفويض.

من أراد القيادة، فليأت من بابها، باب الشورى، باب الرضا، باب الاختيار الحر.

إننا نؤمن أن من حق كل فرد، في أي قرية، أو مدينة، أو قبيلة، أو جماعة، أن يدلي برأيه، وأن يمنح صوته، وأن يحترم خياره، سواء كان موافقا أم مخالفا.

ولا يجوز بعد اليوم أن تحتكر الزعامة، أو يصادر القرار، أو يمنح الصوت لمن يملك المال، أو يرفع الصوت، أو يلوح بالعصبية.

من أراد أصوات الناس، فليطرق أبوابهم، وليتحاور معهم، وليقنعهم.

هذه هي الشورى.

هذه هي الديمقراطية.

وهذا هو الإسلام الحق.

إننا نؤمن أن عصر الوصاية قد انتهى.

وعصر الزعامة الموروثة أو المغتصبة قد انقضى.

والناس اليوم أحرار في إرادتهم، ومالكون لقرارهم، ولا حق لأحد أن يتكلم باسمهم دون إذنهم.

فالزعامة اليوم ليست تمنح، بل تنتزع بالمحبة، والخدمة، والصدق، والبرنامج، لا بالتاريخ ولا بالنسب ولا بالاسم.

وأمرهم شورى بينهم… فمن لم يؤمن بها، فلا يحق له أن يطلب الزعامة باسم الإسلام.

محمد الداه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى