لمن لم يدرك بعد الفرق بين الحلم والواقع.. درس في فهم المشاريع

في فضاء العمل العام، لا يقاس الناس بكثرة كلامهم، بل بصدق فهمهم، ولا يعتد بكثرة ظهورهم، بل برصانة تحليلهم. وحين تختلط المفاهيم على البعض، وتحرف المصطلحات عن مواضعها، يكون لزاما على من يعرف أن ينبه، لا من باب الرد، ولكن من باب أداء الأمانة المعرفية، وإيفاء الحقوق لأهلها.
ولذلك، نهمس – لا نصرخ – بكلمات موجهة لكل من حاول أن يلبس الأمور على الرأي العام، في وصفه لمشروع تصميم مدينة كلب الريشات بـ”الفضيحة”، غافلا أو متغافلا عن أبجديات العمل التنموي، ومراتب المشاريع، وخصائص التخطيط الحضري المدروس.
فالمشاريع – في كل دول العالم – تمر بمراحل ثلاث لا رابعة لها:
1. مرحلة التصور والتصميم على الورق: وهنا يولد الحلم، يرسم بدقة، ويراعى فيه الجوانب التقنية والهندسية والبيئية، ويربط بواقع المكان واحتياجاته.
2. مرحلة البحث عن التمويل: إذ لا مشروع بلا دعم مادي، محلي أو دولي..
3. مرحلة التنفيذ: متى ما توفر التمويل، يبدأ الترجمة على الأرض وفق ما صمم سلفا.
ومشروع تصميم مدينة كلب الريشات لم يكن وهما، ولا شعارا، بل كان تصورا استراتيجيا متكاملا، نفذ على الورق وفق أعلى المعايير، ووثق بمراسلات رسمية، وكان ينتظر فقط التمويل الذي لم يتوفر حينها. فهل يعاب من يخطط، لأنه لم يمكن من التنفيذ؟ وهل يذم من يعد أرضية المشروع، لأنه لم يجد من يموله؟!
إن من يتحدث عن “فضيحة” في هذا السياق، لا يعي الفارق بين مشروع معد للتنفيذ ومشروع منفذ فعليا، وهذا في حد ذاته خلل جوهري في الفهم، لا يجوز أن يصدر عمن يدعي النقد أو المساءلة. بل الحقيقة المؤلمة، أن من قدم للرأي العام ليتصدر المشهد، لم يظهر إلا جهله بالمفاهيم الأساسية في الإدارة والتخطيط، فأساء لنفسه قبل أن يسيء لغيره.
وما يضاعف الحيرة، أن هذه “المهمة التشويهية” لم توكل لمن يملك الخبرة والدراية، بل سلمت لشخص لا علاقة له بلغة التصميم، ولا يفرق بين مفهوم “المخطط المبدئي” و”المشروع المجسد”، ما يدعو إلى تساؤل منطقي:
إذا كانت الجهة التي تقف خلف هذا الشخص تملك من الكفاءات من يجيد الحديث باسمها، فلماذا لم تتقدم هي للواجهة؟ ولماذا تختبئ خلف من لا يحسن حمل الرسالة ولا فهمها؟
إنه لمن المؤسف أن تدار المعارك بغير أهلها، وأن يلقى الكلام جزافا في مسائل فنية وعمرانية، لا يجدر الاقتراب منها إلا لمن كان على دراية بمبادئها، وتمييز دقيق بين مراحلها.
وختاما، نقولها دون خصومة ولا تجريح:من أراد أن يتقدم بالنقد في قضايا المشاريع، فعليه أن يكون على قدر من الفهم والدراية، خاصة حين يتعلق الأمر بمشاريع تصميم كبرى كتلك التي بادر بها العمدة السابق محمد محمود ولد أميه، الذي خطط بعقل رجل دولة، لا بعقل هاو، والذي أراد لوادان مدينة متكاملة لا تشبه إلا أحلام الكبار.
فلا تسيئوا إلى الفكر البناء حين تعجزون عن فهمه، ولا تهزؤوا من الحلم لأنه لم يتحول إلى واقع… فكم من مشروع عظيم تأخر تنفيذه، لكنه ظل شاهدا على نبل أصحابه.
رجل من أهل المدينة




