تاريخ وادانمحليةمقالمنوعات

الشنة بين أدرار والعلا.. وعاء واحد وتاريخ مشترك

عبر العصور ظل الإنسان يبحث عن وسائل تحفظ قوته وتلبي حاجاته في بيئات قاسية، ومن أبرز ما أبدعته الحياة البسيطة في الصحراء “الشَّنّة”، ذلك الوعاء الجلدي الذي احتضن التمور وحفظها من التلف، فصار شاهدا على مهارة الأجداد وذاكرة مشتركة بين واحات أدرار ومدينة وادان التاريخية في موريتانيا، وبين محافظة العلا في قلب الجزيرة العربية.

في موريتانيا، وتحديدا في أدرار ووادان، عرفت الشنة منذ القدم كإحدى أهم وسائل تخزين التمر. فهي تصنع من جلد الماعز أو الضأن، وتحشى بأنواع التمور بعد تجفيفها وتنقيتها. ويفرق الأهالي بين “شنّة الماء” التي تستعمل كقِربة، و”شنّة التمر” التي تمثل المخزن الحقيقي لغذاء الواحات. هذه الشنة كانت بالنسبة للودانيين رفيقة الصحراء وكنز البيوت، تحفظ التمر عاما بعد عام، وتبقى مفتوحة للكرم والضيافة في المناسبات.

أما في العلا شمال غرب السعودية، فقد عرفت الشنة بنفس الاسم والوظيفة تقريبا. إذ تصنع من جلد الغنم أو الضأن، وتبدأ عملية الحشو بعد موسم الجني، مرورا بالتنظيف والترطيب، ثم خياطتها بجريد النخل، لتعريضها بعد ذلك لحرارة الشمس أياما محددة، فيغدو التمر محفوظا داخلها لسنوات. ولم تكن مجرد وعاء، بل كانت عنوانا للكرم العربي، إذ تفتح في رمضان وفي استقبال الضيوف لتقديم أجود التمور.

إن هذا التطابق بين الشنة الودانية وبين الشنة “العلاوية” يؤكد وحدة العادات في المجتمعات العربية الصحراوية، حيث فرضت الطبيعة القاسية حلولا متقاربة لحفظ التمور، فكانت الشنة مثالا بديعا على وحدة الثقافة رغم بعد المسافات.

وهكذا، تبقى الشنة بالنسبة للودانيين وأهل أدرار خاصة، ولأهالي العلا عامة، أكثر من مجرد وعاء جلدي؛ إنها رمز للكرم، وحافظة لحلاوة التمر، وجسر تراثي يربط بين المحيط والصحراء العربية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى