من التمجيد إلى التشويه.. سقوط القيم في زمن المصالح

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه المصالح، وتكثر فيه الانقسامات، برزت في مشهدنا السياسي والاجتماعي ظاهرة قبيحة تنغرس في النفوس كالسهم، ألا وهي ظاهرة الذم بعد المدح، تلك الخصلة التي لا تصدر إلا من نفس ضعيفة لم تعتد على الثبات، ولسان لا يعرف للصدق موطنا ولا للمروءة مقاما. تراهم يرفعون شخصا بالأمس إلى سدة التمجيد، يثنون عليه ويكيلون له صفات الحكمة والوفاء، فإذا تبدل الحال أو اختلفت المصالح انقلبوا عليه ينهشون عرضه ويطعنون في سيرته، وكأن ما قالوه بالأمس لم يكن إلا لغوا وكذبا. وما أقبح هذا المشهد الذي يكشف عورات النفوس المريضة ويعري زيف الشعارات، ويبرهن أن القيم قد صارت عند بعض الناس مجرد أوراق لعب على طاولة المصالح.
إن القرآن الكريم قد رسم لنا صورة بليغة عن هؤلاء المتقلبين، فقال سبحانه: “وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ”، فالكلمة قد تخدع السامع حين تصاغ في ثوب الثناء والإعجاب، لكنها إذا لم تخرج من قلب صادق فإنها لا تلبث أن تنقلب إلى سلاح مسموم، وما ذلك إلا علامة على نفاق دفين وفساد طوية. وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”، ومن يتقلب بين المدح والذم بغير ميزان الحق إنما هو كاذب في مديحه، خائن في نقده، بعيد عن صفاء القلوب وطهارة الألسن.
ولم يكن سلف الأمة غافلين عن هذا الداء، فقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “من مدحك بما ليس فيك فلا تأمن أن يذمك بما ليس فيك”، وهذه حكمة جليلة تكشف حقيقة المتلونين، فهم لا يعرفون حدود الحق ولا يقفون عنده، فإذا أغراهم نفع مدحوا بما لا يملكون، وإذا أعجزهم مصلحة ذموا بما لا يستحقه المرء. أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يفرق بين الناصح الصادق وبين المتقلب المذبذب، فقال: “أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي”، فالمؤمن لا يكره النقد الصادق، لكنه يزدري النقد المغشوش الذي تصنعه الأهواء، ويحتقر المديح الكاذب الذي سرعان ما ينقلب ذما حين تتبدل المصالح.
وهذه الظاهرة لم يعرفها العرب والمسلمون وحدهم، بل أدركها حكماء الأمم عبر العصور، فها هو سقراط يقول: “مديح الأحمق أشد خطرا من ذم العاقل”، إذ المدح إذا لم يكن عن بصيرة صار سما يفسد العقول. وقال شكسبير: “الذي يمدحك بما ليس فيك سيذمك بما ليس فيك”، وهي حكمة تلتقي مع قول علي رضي الله عنه، لتدل على أن هذه آفة إنسانية عامة لا تختص بقوم دون آخرين.
وإذا ألقينا نظرة على واقعنا، وجدنا أن هذه الخصلة قد أفسدت السياسة كما أفسدت المجتمع، فكم من سياسي رفعه بعضهم بالأمس بالمدائح حتى جعلوه رمزا، ثم لم يلبثوا أن جعلوه عنوانا للخيانة والسقوط حين اختلفت المصالح. وكم من رجل صالح خدم وطنه أو مجتمعه بصدق، فإذا لم يرض طموحات بعض الطامعين صار هدفا للذم والتشويه. وهذا العبث بالكلمات يزرع في النفوس الشك، ويجعل الناس يستهينون بالقيم، فيغدو الصادق ضائعا بين أكاذيب المادحين وأراجيف الذامين، وتضيع الحقيقة بين أمواج التملق والتشويه.
إن الأمة التي يشيع فيها هذا الداء أمة مهددة بفقدان ثقتها في نفسها ورجالها، لأن الناس متى أدركوا أن المواقف تباع وتشترى، وأن الثناء لا قيمة له لأنه قد ينقلب غدا إلى قدح، ضاع معنى الوفاء وانطفأت شعلة الصدق، وصار الرياء هو العملة الرائجة، وانكمش أصحاب المبادئ الصادقة لأنهم يرون أنفسهم غرباء وسط هذا الضجيج.
وما أحوجنا اليوم أن نستعيد وصية القرآن: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا”، فالقول السديد هو الذي لا يتبدل مع تبدل المصالح، ولا ينقلب مع تبدل المواقع، بل يبقى ثابتاً لأنه نابع من إيمان راسخ وقلب صادق. وما أحوجنا إلى أن نستحضر قول الشافعي: “رضا الناس غاية لا تدرك”، لنفهم أن الثبات على المبدأ خير من اللهاث وراء تقلبات البشر، وأن قول الحق أثمن من ألف مديح زائف أو ذم باطل.
فالذم بعد المدح ليس مجرد خلل في الألسنة، بل هو فساد في الضمائر، وهو علامة على نفاق يوشك أن يلتهم كل ما تبقى من صدق وإخلاص. فإذا أردنا النجاة، وجب أن نقاوم هذه الآفة بوعي صادق، وأن نثبت على الحق، وألا نجعل من ألسنتنا سهاما نوجهها حيث تملي المصالح. فالكلمة أمانة، والثناء شهادة، والنقد نصيحة، وكلها ستسأل عنها يوم يقوم الأشهاد. وما أعظمها من مسؤولية حين يكون القول إما نورا يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، وإما زيفا ينقلب وبالا وحسرة.




