
رغم الإعلان عن انطلاق التحضيرات لإقامة مشروع مدينة التراث في وادان، إلا أن هذا المشروع النوعي لم يحظ بعد بالاهتمام الذي يوازي أهميته، سواء في الإعلام أو في النقاشات العامة. وهو أمر يثير الاستغراب، لأن الأمر يتعلق بمبادرة فريدة من شأنها أن تحدث تحولا عميقا في واقع التنمية المحلية والسياحة الوطنية والدولية. الحديث عن وادان ليس مجرد استدعاء لماض عريق، بل هو حديث عن مستقبل واعد ينتظر مدينة ظلت لسنوات طويلة على هامش الاهتمام الرسمي، رغم غناها الرمزي والتاريخي والجغرافي.
وادان مدينة تاريخية عريقة لعبت أدوارا محورية في تاريخ المرابطين وفي نشر العلم والمعرفة، وكانت قبلة للعلماء والتجار والرحالة عبر قرون. غير أن هذه المدينة التي حملت ذاكرة الأمة وأسرارها عانت طويلا من الإهمال والتهميش، فتراجعت مكانتها الحضارية لصالح مدن أخرى، ووجد سكانها أنفسهم في مواجهة واقع صعب لا يعكس حجم إرثهم التاريخي. واليوم يلوح مشروع مدينة التراث كفرصة ذهبية لإعادة الاعتبار لودان ولسكانها الذين انتظروا طويلا التفاتة جادة تعيد مدينتهم إلى دائرة الضوء وتمنحها المكانة التي تستحقها.
وعلى مقربة من وادان تقع عين الصحراء أو كلب الريشات، المعلم الجيولوجي المذهل الذي حير العلماء والباحثين لعقود. هذا الموقع الفريد الذي يرى من الفضاء على شكل بصمة كونية ظل مهملا ولم ينل ما يليق به من عناية وترويج. ورغم قيمته العلمية والسياحية العالمية إلا أنه ظل خارج دائرة الاستثمار السياحي الجاد، وظل معزولا عن مسارات السياحة الدولية بسبب غياب البنية التحتية والدعاية المناسبة. إن إدماج عين الصحراء في هذا المشروع يمثل لحظة فارقة، إذ سيجعل موريتانيا وجهة عالمية للسياحة الجيولوجية والعلمية، ويمنح وادان موقعا استراتيجيا كبوابة لهذا الكنز الطبيعي.
ما يجب التأكيد عليه أن المشروع لا يقتصر على بناء منشأة ثقافية أو معلم سياحي، بل يتجاوز ذلك ليشكل رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. فمن المتوقع أن يوفر فرص عمل للشباب، سواء بشكل مباشر أو من خلال الاستثمارات التي ستولدها حركة السياحة في مجالات الإيواء والنقل والخدمات والصناعات التقليدية. كما أنه سيحفز المبادرات المحلية في قطاعات الزراعة والتجارة، مما يساهم في تحسين ظروف السكان ويحد من نزيف الهجرة نحو المدن الكبرى.
نادرا ما تجتمع في منطقة واحدة عناصر سياحية متنوعة كما هو الحال في وادان وعين الصحراء. فهناك إرث تاريخي وروحي ضارب في القدم، وإرث علمي في المحاظر والمكتبات، ومعلم طبيعي فريد يستقطب اهتمام العلماء والسياح على حد سواء. هذا التنوع يجعل من المنطقة مرشحة لتكون قطبا للسياحة الثقافية والعلمية، قادرا على جذب آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم إذا ما تم الاستثمار فيه بالطرق الصحيحة.
صحيح أن مشروع مدينة التراث يندرج ضمن خطة وطنية أوسع تشمل أحد عشر موقعا تاريخيا على امتداد البلاد، غير أن لوادان خصوصية تجعلها مؤهلة لتكون العنوان الأبرز لهذه الرؤية. فهي تجمع بين التاريخ المادي والروحي وبين الجوار الجغرافي لأعجوبة طبيعية عالمية هي كلب الريشات. الاستثمار في وادان بهذا المعنى هو استثمار مضاعف في التاريخ والطبيعة، في الهوية والجغرافيا، وهو ما يميزها عن باقي المدن المشمولة في البرنامج.
إن ما يجري اليوم في وادان لا يجب أن يتعامل معه كحدث عابر أو نشاط إداري روتيني، بل نحن أمام فرصة تاريخية لاستعادة إشعاع مدينة عريقة وفك العزلة عن كنز طبيعي عالمي. وإذا لم يحظ هذا المشروع بالاهتمام الرسمي والإعلامي والشعبي الكافي فإننا نخاطر بتضييع لحظة فارقة قد لا تتكرر قريبا. لقد صبر أهل وادان كثيرا وانتظروا طويلا، وحان الوقت لتحويل الوعود إلى واقع ملموس يعيد لهم الثقة ويضع مدينتهم في المكانة التي تليق بها على خريطة التنمية الوطنية والسياحة العالمية.




