
ضمن سلسلة اللقاءات التي تجريها منصة أنباء وادان مع الشخصيات التي كان لها دور بارز في تاريخ المدينة الحديث، نستضيف اليوم السيد شياخ بيشار، نائب عمدة بلدية وادان سابقا، والذي واكب العمل البلدي لفترتين متتاليتين إلى جانب العمدة السابق محمد محمود ولد أميه.
نسلط الضوء خلال هذا الحوار على مسيرته، ورؤيته للانتخابات الأخيرة، ومستقبل المدينة.
نرحب بكم، ونبدأ هذا اللقاء بالسؤال الأول:
س: في البداية، نترك لكم المجال لتقدموا أنفسكم لجمهور منصة أنباء وادان: من هو شياخ بيشار؟ وكيف كانت بدايتكم مع العمل العام؟
ج:بسم الله، وبه نستعين..
بدأت مسيرتي التعليمية في مدينة ازويرات، حيث تابعت المراحل الدراسية من الابتدائية إلى الثانوية، وذلك ما بين عامي 1984 و1993. وقد كانت تلك الفترة حافلة بالتجارب التربوية التي ساهمت في تشكيل وعيي المعرفي وتحديد ملامح توجهي العلمي.
وفي عام 1999، أكملت دراستي الجامعية في جامعة تشرين بالجمهورية العربية السورية، وتخرجت من قسم الكيمياء الحيوية، وهو تخصص أتاح لي فهما عميقا لعلوم الحياة والتفاعلات الحيوية، وأثرى معارفي في المجال العلمي بشكل عام.
ثم عدت إلى الوطن بشغف أكبر للعطاء، فالتحقت سنة 2000 بالمدرسة العليا لتكوين الأساتذة في نواكشوط، شعبة العلوم الطبيعية، سعيا للتأهيل المهني الذي يمكنني من أداء رسالتي التربوية على أكمل وجه.
وفي سنة 2001، بدأت مزاولة مهنة التدريس في ثانوية وادان، وهي المؤسسة التي لا زلت أعمل فيها حتى اليوم، حيث أشغل منصب مدير للدروس. وقد كان لهذه المرحلة دور محوري في مسيرتي، إذ جمعت بين التدريس والتأطير، وشاركت في إعداد أجيال متعاقبة من أبناء وادان، ساهمت في صقلهم علميا وسلوكيا.
وخلال هذه السنوات التي قضيتها في وادان، لم أكن منعزلا عن الشأن العام، بل كنت دائم الحضور في الساحة السياسية والاجتماعية، فمارست العمل السياسي بوعي ومسؤولية. وتوج هذا الحضور بانتخابي مساعدا أول لعمدة بلدية وادان، السيد محمد محمود ولد أميه،. وهو المنصب الذي شغلته لمدة عشر سنوات، شهدت خلالها مراحل مهمة من التغيير والتطوير في المدينة، وسعيت بكل جهد لإحداث فرق ملموس في الحياة اليومية للمواطنين.
س: كيف تصفون تجربتكم كنائب لعمدة وادان خلال الفترتين السابقتين؟
ج:كانت تجربتنا في بلدية وادان تجربة ناجحة بكل المقاييس، بفضل الله أولا، ثم بفضل صدق النية التي تحلينا بها، وما رافقها من روح التضحية والعمل المتجرد من الأهواء والمصالح الشخصية.
لم يكن هدفنا يوما السعي إلى الظهور أو تحقيق مكاسب ذاتية، بل كنا نضع نصب أعيننا خدمة المواطن وتحقيق التنمية في بلدتنا، وادان. فقد آمنا بأن العمل البلدي إذا نفّذ بإخلاص وتفان يمكن أن يكون أداة حقيقية لتغيير الواقع نحو الأفضل.
ولعل ما أعطى لهذه التجربة طابع النجاح هو التعاون الصادق بين الفريق البلدي، وانفتاحنا على مختلف شرائح المجتمع، والاستماع لمطالب السكان والعمل على تلبيتها ضمن الإمكانات المتاحة. لقد كنا نعمل بروح الفريق الواحد، نكمل بعضنا البعض، ونتقاسم أعباء المسؤولية بحب وصدق.
إن من عاش تلك المرحلة يدرك جيدا أنها لم تكن سهلة، لكنها رغم التحديات تركت بصمات واضحة، بفضل عزيمة الرجال ونظافة الأيدي، وهو ما جعلنا نشعر دائما بأننا على الطريق الصحيح.
س: كنتم نائبا للعمدة محمد محمود ولد أميه لفترتين متتاليتين. كيف كانت طبيعة العمل المشترك بينكما؟
ج :كان العمل بيني وبين العمدة ومحمد محمود ولد أميه عملا متناغما ومتكاملا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فقد طبعته الثقة المتبادلة والتفاهم العميق، وكانت بيننا درجة عالية من الانسجام في وجهات النظر والرؤى.
هذا الانسجام لم يأت صدفة، بل كان ثمرة لوحدة الهدف، التي لم تكن لتتحقق لولا أننا كنا نضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار. كنا نؤمن بأن النجاح الجماعي لا يمكن أن يقوم على النوايا الفردية أو الحسابات الضيقة، بل على روح المسؤولية الجماعية والهم المشترك تجاه المدينة وسكانها.
لم تكن بيننا مطامع شخصية ولا أهداف خفية، ولذلك لم تختلف رؤانا، ولم يتصادم مسارنا. فلو أن أحدنا كان يحمل أغراضا خاصة، لكانت الاختلافات حتمية، لكن تجردنا من ذلك جعل الطريق ممهدا للعمل في تناغم وتفاهم نادر.
ويمكنني القول بثقة إن تلك التجربة كانت نموذجا يحتذى به في العمل البلدي، حيث التقت الإرادة الصادقة مع الإدارة الرشيدة، ونتج عن ذلك إنجازات ملموسة على أرض الواقع، ما زالت شاهدة على تلك المرحلة حتى اليوم.
س: ما أبرز المشاريع أو الملفات التي كنتم مسؤولين عنها أو ساهمتم فيها بشكل مباشر؟
ج: كنت مساهما فاعلا في معظم المشاريع التنموية التي تبنتها بلدية وادان خلال فترة عملي، وهي مشاريع يصعب حصرها لكثرتها وتنوعها، لكنها جميعاً صبت في خدمة السكان وتغيير واقع المدينة نحو الأفضل. ومع ذلك، يمكنني أن أذكر عدداً من المشاريع البارزة التي بقي أثرها واضحا حتى اليوم:
بناء مقر جديد للبلدية بعد أن كانت تمارس أعمالها في مبنى مدرسة، مما ساعد في تعزيز الاستقلال الإداري وتحسين أداء المؤسسة.
إنشاء ملعب بلدي للشباب، منح أبناء المدينة فضاء رياضيا مهما، ساهم في احتواء طاقاتهم وتنمية مواهبهم.
بناء سوق بلدي منظم يوفر إطارا تجاريا يحفظ كرامة الباعة ويخدم المستهلكين.
شق مقاطع طرق معبدة داخل المقاطعة لفك العزلة وتسهيل تنقل السكان والتواصل بين الأحياء.
تسييج وتشجير ساحة المهرجانات، مما أضفى طابعا جماليا وحضريا على الفضاء العام ورفع من قيمة المدينة ثقافيا وسياحيا.
تحويل لاقط موريتل عن وسط المدينة، وهو ما قلل من الانبعاثات والإشعاعات داخل الأحياء السكنية.
حفر وتجهيز عدد كبير من نقاط المياه الرعوية التي كانت حيوية للساكنة والمواشي، خصوصا في الفترات الجافة.
توفير مادة السمك بشكل منتظم في تللبه والمراكز الريفية، دعما للأمن الغذائي.
توفير الأعلاف الحيوانية في أوقات الحاجة، خصوصا أثناء مواسم الجفاف، دعما للمربين والفلاحين.
توزيع المواد الغذائية خلال جائحة كوفيد بوفرة وجودة عالية، وقد كان ذلك محل إشادة من الجميع.
ومن الإنجازات التي لا يمكن تجاهلها، التحسينات الكبيرة التي طرأت على الأسبوع الثقافي للمدن الأثرية، وعلى رأسها وادان. فقد كانت التحسينات التي تظهر في النسخ الأولى من المهرجان – بدءا من نسخة 2011 في شنقيط – تنعكس مباشرة في نسخ وادان، بفضل المتابعة والجهود المتواصلة التي كان يبذلها العمدة السابق محمد محمود ولد أميه، والتي كنت شاهدا ومشاركا فيها. ثم ما تلبث تلك التحسينات أن تعتمد لاحقا في باقي المدن، مما جعل وادان رائدة في تطوير هذه التظاهرة الثقافية.
ومن ثمار هذه الجهود، استفادة أصحاب المنازل الهشة من مشاريع تحسين السكن، بعد أن كان نصيبهم فقط الغبار والتهميش. كما تم استغلال هذه المناسبات لإطلاق مشاريع تنموية جوهرية، كالسدود، وشبكات المياه والكهرباء، وتجهيز الساحات الزراعية، وشق الطرق… وغيرها من المشاريع التي مست جوهر الحياة اليومية للمواطن.
إن تلك المرحلة كانت بحق مثالا لما يمكن أن يحققه الإخلاص في العمل، حين يقترن بالإرادة والخبرة والتخطيط السليم.
س: بعد سنوات من العمل المشترك مع العمدة، خضتم الانتخابات الأخيرة ضمن لائحة جديدة. ما الأسباب التي دفعتكم لهذا الخيار؟
ج:عندما أعلن العمدة محمد محمود ولد أميه عدم استعداده للترشح لفترة ثالثة، كنت من أوائل من تبنوا نفس القرار، انطلاقا من قناعة راسخة بضرورة فسح المجال أمام دماء جديدة تحمل رؤية متجددة وطاقة متقدة. لم يكن قرارنا انسحابا أو تراجعا، بل كان محاولة صادقة لإرساء ثقافة التناوب السلمي والتشاور المجتمعي، واحترام منطق التداول في المسؤوليات، وهي قيم نؤمن بها ونعتبرها من ركائز العمل الديمقراطي.
كنا نأمل أن يتم اختيار الخليفة القادم عبر حوار صادق ومفتوح بين أبناء وادان، يشارك فيه الجميع ويؤسس لاختيار توافقي يعلي مصلحة المدينة على المصالح الشخصية. غير أن الأمور لم تسر وفق ما خططنا له. فقد تبين، مع الأسف، أن بعض الأطراف كانت لديها نوايا مبيتة، وتعمل في الخفاء على ترشيح أسماء لم يكن بالإمكان أن يتم التوافق حولها، بل إنهم في اللحظات الأخيرة صرحوا صراحة بأنهم سيترشحون عبر أحزاب أخرى إذا لم تتم تزكيتهم من قبل الحزب.
أمام هذا الوضع المفاجئ، وجدت القيادة الحزبية نفسها مضطرة للتحرك بسرعة، فأعلنت عن ترشيح لائحة من مناضلي الحزب الأوفياء، ممن يتمتعون بتاريخ نضالي معروف وعلاقات جيدة مع السكان. وقد التزمنا كحزبيين بدعم هذه اللائحة بكل ما أوتينا من جهد، دفاعا عن المشروع الذي آمنا به، وحرصا على بقاء المسار في أيد نظيفة تستحق ثقة المواطنين.
لم يكن الأمر سهلا، لكنه كان موقفا مبدئيا نابعا من قناعتنا بأهمية الانضباط الحزبي والاحتكام للمؤسسات، لا للمساومات ولا للابتزاز السياسي.
س: قبيل الانتخابات، كانت التوقعات تميل إلى فوز لائحتكم، لكن النتائج جاءت عكس ذلك. برأيكم، ما الذي أدى إلى هذه الخسارة المفاجئة؟
ج :الخسارة التي تعرضنا لها لا يمكن اختزالها في عامل واحد، فهي نتاج تراكمي لمجموعة من الأسباب والعوامل المتداخلة. ولعل من أبرز هذه العوامل تلك التي تتعلق بوعي الناخب وسهولة التأثير عليه. فالمواطن البسيط، الذي لم يحظ بفرصة كافية للتعليم أو التثقيف السياسي، غالبا ما يكون عرضة للانخداع بالوعود الزائفة والخطابات الرنانة، وهو ما استغلته بعض الأطراف ببراعة، فباعوا له الأحلام مقابل صوته في صندوق الاقتراع.
كما لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي لعبه بعض المتسللين داخل الحزب، الذين تظاهروا بالولاء، بينما كانت تحركاتهم الفعلية تصب في صالح الخصوم. هؤلاء شكلوا طابورا خامسا ساهم في تفكيك الصف الداخلي، وعملوا على زعزعة الثقة بين القاعدة والقيادة، بل وربما لعبوا دورا مباشرا في تسريب المعلومات أو تسهيل عمليات التزوير.
وقد زاد الطين بلة الحديث المتكرر عن حالات تزوير شهدتها العملية الانتخابية، وهو أمر أضعف من ثقة الناس بالنتائج، وأثار كثيرا من علامات الاستفهام حول نزاهة المنافسة. فقد تناقلت الألسن أخبارا عن تدخلات غير مشروعة وتلاعب في بعض المكاتب، مما جعل المعركة الانتخابية غير متكافئة، لا من حيث الوسائل ولا من حيث الفرص.
ورغم كل ذلك، تبقى هذه التجربة محطة نتعلم منها، نستخلص دروسها، ونبني على ما تحقق، تمهيدا لمرحلة جديدة أكثر وعيا وتنظيما واستعدادا.
س: هل ترون أن أخطاء داخلية في التخطيط أو الحملة أثرت على مسار النتائج؟
ج :لقد وقعت خلال تلك الانتخابات أخطاء جسيمة كان لها أثر بالغ في النتيجة التي آلت إليها، وللأسف، كانت بعضها ناتجة عن ثقة مفرطة في المسار، بينما كان الخصم يتحرك من منطلق الخوف والحذر، وهو ما جعله أكثر يقظة واستعدادا.
لقد تصرفت لائحة الحزب وكأن الفوز مضمون، فتراخت في بعض مراحل الحملة، واكتفت بالخطاب التقليدي دون تجديد في الوسائل أو لغة التواصل مع الناخبين. هذه الثقة الزائدة أضرت بنا، لأنها جعلتنا نظن أن القاعدة الشعبية ستتحرك تلقائيا، في حين أن المنافس كان يعبئ قواعده يوما بعد يوم ويعمل بصمت وفعالية.
أما الكارثة الحقيقية، فتمثلت في توكيل بعض العناصر غير الموثوقة – بل والمشبوهة أحيانا – كممثلين للحزب في مكاتب التصويت. هؤلاء، بدل أن يكونوا عيونًا تحمي أصواتنا، كانوا جسورا فتحت الأبواب على مصراعيها أمام التزوير والتلاعب. لقد وثقنا فيهم بحسن نية، لكنهم لم يكونوا أهلا لهذه الثقة، فخانوا الأمانة، وكان ثمن ذلك فادحا.
هذه الأخطاء، وإن كانت موجعة، فإنها تشكل اليوم دروسا ثمينة. لقد علمتنا أن العمل السياسي لا يدار بالعواطف، بل بالصرامة في اتخاذ القرار، وبالاختيار الدقيق للرجال، وبالتحضير الجيد لكل محطة، مهما بدت مضمونة أو سهلة.
س: إلى أي مدى كان للانقسامات أو التحالفات المفاجئة دور في التأثير على فرص نجاحكم؟
ج :ما تعرضنا له لا يمكن وصفه إلا بأنه نتيجة لما نسميه التحالفات المخادعة، وهي تحالفات ظاهرها التعاون وباطنها الغدر والمصلحة الذاتية الضيقة. لقد أثرت هذه التحالفات بشكل مباشر على نتائج الانتخابات، لأنها لم تكن قائمة على مبادئ أو برامج واضحة، بل على صفقات خفية وتحركات غير شفافة، هدفها الأساسي هو الإطاحة بالخصم دون النظر إلى مصلحة المدينة أو المواطن.
لو كانت هذه التحالفات معلنة وواضحة، لكنا قد استعددنا لها كما ينبغي، ولدينا من الوسائل والخبرات السياسية ما يمكننا من مواجهتها والانتصار عليها، كما يشهد بذلك تاريخنا وتجاربنا السابقة. ولكن المشكلة أن هذه التحالفات اختارت العمل في الظل، فخدعت القواعد، وضللت الرأي العام، وقدمت نفسها بلبوس التغيير بينما كانت تسعى لتكريس مصالح ضيقة لفئة محددة.
إن ما يؤلم حقا هو أن هذه التحالفات غالبا ما تستغل ثقة الناس البسطاء، وتقدم نفسها على أنها الخيار الأنسب، بينما هي في الواقع نتاج تواطؤات حزبية أو مصالح شخصية لا تمت للهم العام بصلة. ورغم ذلك، تبقى مثل هذه التجارب من طبيعة العمل السياسي، وهي وإن كانت مريرة، فإنها تكسبنا مناعة وخبرة أكبر في المرات القادمة.
س: لو عدنا بالزمن إلى الوراء، هل كنتم ستخوضون الانتخابات بنفس التشكيلة والاستراتيجية؟
ج :أبدا، لم نكن لنخوض هذه المعركة الانتخابية بتلك الطريقة لو كانت لدينا كل المعطيات منذ البداية. والتاريخ يشهد أننا حين نمتلك الرؤية الكاملة، ونستطيع قراءة المشهد السياسي بكل تفاصيله، فإننا نتخذ الخيارات الأنسب ونسلك الطريق الأكثر فعالية. لكن في هذه المعركة، تفاجأنا بكثير من الأمور في وقت متأخر، ما جعل تحركاتنا محدودة وردود أفعالنا متأخرة.
لقد دخلنا الانتخابات ونحن نحمل نية الإصلاح وخدمة المواطن، لكننا لم نتوقع أن تدار اللعبة بأدوات بعيدة عن الشفافية والنزاهة. وبدل أن تكون المنافسة على أساس البرامج والإنجازات، وجدنا أنفسنا وسط صراعات خفية وتحالفات مغشوشة، ومخططات استباقية أعدت بإتقان لإقصائنا.
لو عادت بنا الأيام، لكنا أعدنا النظر في منهجية التحضير، وفي الأشخاص الذين وضعنا فيهم الثقة، ولكنا حرصنا على تقوية الجبهة الداخلية من خلال التعبئة الجادة، والتنسيق المبكر، وإشراك كل القوى الحية في وادان.
إننا لا نندم على الخسارة في حد ذاتها، لأننا نخوض العمل العام بإخلاص لا ببحث عن منصب، ولكننا نأسف لأن الطريقة التي خضنا بها المعركة لم تكن تعكس قوتنا الحقيقية ولا تاريخنا في خدمة الناس.
س: كيف تقيمون تسيير المجلس البلدي الحالي مقارنة بالفترة التي كنتم فيها ضمن الطاقم البلدي؟
ج:عندما تسأل المواطن العادي الصادق عن الوضع الذي نعيشه اليوم، سيكون جوابه بسيطا وواضحا: “لا يمكن مقارنة العتمة بالنور.” هذه المقارنة التي يصف بها المواطن الوضع الذي عايشه، هي ترجمة واقعية للتباين الكبير بين الوعود التي تم تسويقها له، وبين الحقيقة التي عاشها بعد أن اختار من صدق تلك الوعود. وهذا الكلام ليس من عندي، بل هو مقتبس من أولئك الذين كانوا يصدقون الوعود الكاذبة، وظنوا أن التغيير سيكون سهلا ومباشرا.
لقد كان الناخبون يتوقعون حياة أفضل بعد التصويت، ولكنهم اكتشفوا بسرعة أن الأمل الذي روج له لم يكن إلا سرابا، وأن الوعود كانت مجرد كلمات فارغة لا تعكس واقعا يمكن تحقيقه. وهذا التباين بين الوعود والواقع هو ما يجعل الكثيرين اليوم في حالة من الندم على ما وقعوا فيه، وما يدفعهم للتساؤل عن مدى مصداقية الوعود السياسية التي تم تقديمها لهم.
إن هذه التجربة تظهر أن الوعود السياسية يجب أن تكون مدعومة بأفعال حقيقية، لا مجرد كلمات تقال في لحظة الانتخابات. فالمواطن اليوم أصبح أكثر وعيا وأكثر قدرة على التمييز بين الوعود الحقيقية التي تحقق تغييرا ملموسا، وبين تلك التي تهدف فقط إلى تحقيق مصالح ضيقة.
س: ما التحديات الأساسية التي تواجه بلدية وادان اليوم، في نظركم؟
ج :وادان، مهما كانت الظروف، تظل هي وادان. إنها مدينة ذات تاريخ طويل وعريق، تحمل في طياتها الكثير من الآمال والطموحات لمستقبل أفضل. على الرغم من التحديات التي واجهتنا، وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على الساحة السياسية، فإن المدينة ما زالت تحتفظ بجاذبيتها وبقدرتها على النمو والتطور.
الاقتصاد الموريتاني بشكل عام يشهد نموًدا متسارعا، ولا شك أن وادان جزء من هذا النمو. قد تكون الظروف السياسية قد أثرت على مسار بعض المشاريع أو جعلت البعض يشعر بالإحباط، لكن من المؤكد أن المدينة ستظل في قلب النهضة الوطنية، طالما بقي في أهلها إيمان بقيم العمل والمثابرة.
أما بالنسبة للمقر البلدي، فهو ما يزال في مكانه، صامدا كرمز للاستقرار الإداري رغم التقلبات السياسية التي مررنا بها. لكن الأهم من ذلك هو استمرار العمل من أجل تحسين واقع المواطنين في وادان. العبرة اليوم ليست في وجود أو غياب أي فرد أو مسؤول، بل في مدى قدرتنا على مواصلة مسيرة التنمية، واستمرار العمل الجاد والمثمر الذي يخدم مصالح الجميع.
إننا بحاجة إلى من يواصل مشوار البناء، ومن يحمل هم المدينة في قلبه، يعمل بصدق وإخلاص لإحداث الفارق في حياة الناس. وادان تستحق الأفضل، وكل جهد يبذل في سبيل تطويرها هو خطوة نحو غد أكثر إشراقا.
س: هل لديكم نية للعودة إلى العمل السياسي مستقبلا، سواء عبر الترشح أو المساهمة بطرق أخرى؟
ج:إن إرادتنا ثابتة في مواصلة المسار السياسي من أجل الوطن، ولن تتوقف مشاركتنا كفاعلين سياسيين في خدمة الصالح العام. نحن مؤمنون بأن كل مرحلة تمر بها البلد هي فرصة للتغيير والتحسين، وأن العمل السياسي ليس مجرد وظيفة، بل هو التزام حقيقي بقضايا الوطن والمواطنين.
هذه الإرادة لا تتوقف عند أي مرحلة، بل تمتد لتشمل كل جوانب الحياة العامة، من التعليم والصحة إلى البنية التحتية والتنمية الاجتماعية. نحن نعتبر أنفسنا جزءا من هذا المسار الذي يسعى لتحقيق العدالة والمساواة لجميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن الظروف أو التحديات التي قد نواجهها.
العمل السياسي بالنسبة لنا هو التزام أخلاقي، ومن خلاله نطمح إلى تحقيق التغيير الإيجابي، حتى لو كانت الطريق مليئة بالصعاب. فنحن لا نعمل من أجل منصب أو مكسب شخصي، بل من أجل تحسين حياة المواطن وتطوير بلادنا إلى الأفضل.
وبالنسبة لنا، فإن هذا الطريق طويل ومليء بالتحديات، لكن العزيمة والإصرار سيظلان محركين رئيسيين في كل خطوة نخطوها نحو تحقيق أهدافنا السياسية والاجتماعية. إننا على استعداد تام للاستمرار في هذا المسار، ولن يتوقف التزامنا من أجل الوطن والشعب.
س: ما النصيحة التي توجهونها للشباب الراغبين في دخول معترك العمل البلدي وخدمة مدينتهم؟
ج :أنصح الشباب بأن يتفهموا أن العمل البلدي، على الرغم من أهميته، هو عمل تطوعي يحتاج إلى الكثير من الصبر والمثابرة. هو ليس مصدرا للثراء الشخصي أو للمكاسب المادية، بل هو التزام حقيقي يتطلب التضحيات ويجب أن يدار بحكمة ووعي. في بلدية وادان، كما في غيرها من البلديات، سيكون الشخص الذي يتولى المسؤولية في بداية الأمر في مواجهة العديد من التحديات والصعوبات، سواء من حيث الموارد المحدودة أو من حيث التوقعات العالية من المواطنين.
لكن رغم الصعوبات، فإن هناك أيضا فرصا حقيقية لإحداث التغيير. إذا تولى المسؤولية شخص مناسب، ذو رؤية واضحة، فسيمكنه بالتأكيد من التخفيف من معاناة المواطنين وتحسين ظروفهم الحياتية. التغيير ليس سهلا، ولكنه ممكن إذا كان هناك إصرار على العمل الجاد والنزيه.
وفي حال تولى المسؤولية شخص غير مناسب، فإن ذلك سيزيد من معاناة المواطنين ويعطل مسيرة التنمية. لأن القائد الفعال لا يأتي بمجرد المكانة أو السلطة، بل يأتي مع القدرة على التواصل مع الناس، وفهم احتياجاتهم، والعمل بجد لتحسين أوضاعهم.
الشباب الذين يريدون الانخراط في هذا العمل يجب أن يكون لديهم الإيمان الراسخ بأنهم يخدمون مجتمعاتهم، وأنهم جزء من الحلول لا من المشكلات. فعلى الرغم من صعوبة العمل البلدي، فإنه يحمل في طياته الكثير من الفخر والشرف لمن يسعى لإحداث فرق حقيقي في مجتمعه.
س: لو أتيح لكم أن تتخذوا قرارا واحدا لخدمة وادان دون عوائق، ما هو القرار الذي ستتخذونه فورا؟
ج :إن الهدف من أي انتخاب يجب أن يكون تمكين المواطنين من اختيار من يمثلهم ويدير شؤونهم بكفاءة ونزاهة. ولذا، كان من الضروري أن يتم ترك وادان في يد منتخبيها، ليحظوا بفرصة اختيار من يظنون أنه الأنسب لقيادة المدينة في المرحلة المقبلة. وقد كان موقف العمدة السابق، الذي أعلن عدم استعداده للترشح لفترة ثالثة، هو فرصة لتجديد الدماء وتمكين الوجوه الجديدة من تولي المسؤولية.
لكن للأسف، بعض الأطراف كانت تسعى إلى تجاوز هذا الخيار الديمقراطي، فتدخلت بتحركات خفية لتقديم مرشحين لا يتوافقون مع تطلعات المواطنين ولا مع المصلحة العامة. في تلك اللحظات الحرجة، قرر الحزب أن يترشح لائحة من مناضليه الأوفياء، وهو قرار لم يكن سهلا، ولكنه كان ضروريا للحفاظ على استمرارية المسار السياسي الذي بدأناه.
نحن كحزبيين، وقفنا مع اللائحة التي تم اختيارها، لأننا نؤمن بأن الدعم السياسي من القاعدة الشعبية لا يمكن أن يأتي عبر المناورات والصفقات، بل عبر الوفاء للمبادئ والعمل الجاد. وفي هذا السياق، كان قرارنا دعم اللائحة هو تعبير عن التزامنا بالشفافية والعدالة في العملية الانتخابية.
نأمل أن تعود هذه الانتخابات بنتيجة تعكس رغبات المواطنين، وأن تفضي إلى من يتخذ قرارات تكون في خدمة المدينة وأهلها. وفي النهاية، نؤمن أن العملية الديمقراطية هي الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق التغيير الذي يصبو إليه الجميع.
س: شخصية سياسية أو محلية تعتبرونها قدوة لكم… من هي ولماذا؟
ج :من المهم أن ندرك جميعا أن القدوة الحقيقية لا تأتي من الكمال المطلق، بل من الإصرار على تحقيق الأفضل رغم التحديات. في النهاية، لا وجود للقدوة المثالية في هذا العالم، فكل شخص لديه عيوبه ونقاط ضعفه. ولكن، من خلال التجارب التي مررت بها، أستطيع القول بأن العمدة الذي عملت معه غالبا ما كان يمثل الرأي الذي أميل إليه، والذي كان يتوافق مع رؤيتي وتطلعاتي.
ما تعلمته من تجربتي معه هو أن القيادة ليست مجرد اتخاذ قرارات، بل هي أيضا القدرة على تحمل المسؤولية في أصعب الظروف، والقدرة على التفاعل مع الناس وتقديم حلول واقعية لمشاكلهم اليومية. لقد كان يملك القدرة على الاستماع إلى جميع الآراء والاهتمام بمصلحة الجميع، وهي صفات يجب أن يتحلى بها أي قائد.
كما أن العمل إلى جانبه علمني أن القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب هي ما يميز القائد الجيد. أما بالنسبة لي، فقد كانت تجربتي معه مصدر إلهام وتعلم مستمر، لأن القيادة لا تقتصر على الأشخاص الذين يتخذون القرارات بل أيضا على كيفية تنفيذ هذه القرارات ومراقبة تأثيرها على الواقع.
القدوة في العمل السياسي ليست بالضرورة في الشخص المثالي، ولكن في الشخص الذي يسعى دائما لتحقيق الأفضل، ويضع مصلحة الناس في مقدمة أولوياته. وقد أعتبر أن هذا هو الطريق الذي يجب أن نسلكه جميعا في مسيرتنا السياسية.
س: من خلال تجربتكم الطويلة، هل شعرتم في لحظة معينة أن عملكم لم يلق التقدير الكافي؟
ج :في كل لحظة، كنت أشعر أن عملي لم يحظ بالتقدير الكافي من قبل البعض، لكن في الوقت نفسه، كنت أجد الراحة والاطمئنان في أن التقدير الحقيقي لا يأتي من البشر، بل هو في النهاية بيد الله. الحمد لله، لقد تعلمت أن التقدير الذي يأتي من البشر ليس دائما مقياسا حقيقيا للنجاح أو للأثر الذي يحدثه الإنسان في مجتمعه. فبعض الأعمال قد لا تلاحظها العيون، لكن أثرها يبقى في النفوس والأذهان، سواء أدركه الناس أم لا.
التقدير الأهم، هو ما يحمله الإنسان في قلبه من رضا عن نفسه، ورضا عن ما قدمه من عمل. قد لا يكون العمل دائمًا مرئيا أو مشهودا، لكن الله يعلم ما في النفوس ويجازي كل شخص على ما بذله من جهد ووقت. إن هذا الفهم جعلني أعيش بسلام داخلي، وأدرك أن ما نفعله من أجل الناس والمجتمع هو ما سيبقى، رغم أن تقدير الآخرين قد يتأخر أو لا يأتي أبدا.
أؤمن تماما أن الأعمال التي تخلص فيها النية وتبذل فيها الجهود الصادقة ستكون لها قيمة أكبر في الآخرة. وفي النهاية، إذا كانت الأعمال تقاس بقدر ما تنفع الناس وتحسن من حياتهم، فإننا في الطريق الصحيح، بغض النظر عن نوع التقدير الذي قد نحصل عليه من الآخرين.
س: كلمة أخيرة تودون توجيهها عبر منصة أنباء وادان إلى أهل المدينة.ز
ج :أقول لأهلي في وادان: إن الجهل هو العدو الأكبر الذي يجني على نفسه، ونحن في حاجة ماسة إلى توجيه جهودنا نحو تعليم أبنائنا وتعزيز وعيهم. فنحن نعيش في مرحلة تتطلب منا جميعا أن نكون واعين بمستقبلنا، وأن نزرع في قلوب الأطفال والشباب حب العلم والمعرفة. التعليم هو الأساس الذي يبني المستقبل، وهو الذي يضمن لنا التقدم والازدهار.
أما بالنسبة للكبار الذين مروا بتجارب الحياة ودفعوا ثمن جهلهم، فإنهم قد تعلموا الدرس بطريقتهم الخاصة. ولكن الأمل لا يزال موجودا في تحسين أوضاعنا، ولا يمكننا أن نستمر في السير في نفس الطريق إذا أردنا تغيير واقعنا للأفضل. لذا يجب أن نتعاون جميعا لخلق بيئة تعليمية محفزة، يكون فيها كل فرد قادرا على تطوير نفسه والمساهمة في تنمية المجتمع.
إن الطريق أمامنا طويل، والتحديات كثيرة، ولكن إذا اجتمعنا جميعا على هدف واحد هو تعليم أبنائنا وتأهيلهم ليكونوا قادة المستقبل، فإننا لا شك سنحقق التغيير المنشود. على الرغم من أن الأوقات قد تكون صعبة، لكن هناك دائما فرصة للتعلم والنمو إذا كانت النوايا صادقة والمجهود مستمر.
وأتمنى لأهل وادان حياة أفضل، مستقبل أكثر إشراقا، يملؤه الأمل والعمل الجاد. لن يضيع تعبنا ما دمنا مخلصين في سعيهم نحو تحسين حياة الأجيال القادمة.
بهذه الكلمات الصادقة، نختم هذا اللقاء الشامل مع نائب عمدة وادان السابق السيد شياخ بيشار، الذي أثرانا برؤيته الثاقبة وتجاربه الغنية. نعدكم في منصة أنباء وادان بمزيد من اللقاءات مع شخصيات أخرى ساهمت في بناء حاضر وادان وسيكون لها دور في تشكيل مستقبلها.
تنويه:
تؤكد منصة أنباء وادان التزامها بمبادئ الحياد والموضوعية، وتفتح باب الردود لكل من يرغب في إبداء رأيه. يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني: anbawadan@gmail.com




