أخبارمقالهموم الناسوطنية

حين تبكي الطائرات… بصوت الراحل الخليفة ولد أيده

في ذلك الفجر الحار من أول يوليو 1994، لم تكن الشمس قد ارتفعت تماما فوق جبال تانت حين أقلعت الطائرة من نواكشوط، تحمل في بطنها أرواحا نبضت شوقا للعودة، وقلوبا تعبت من الغياب وتاقت للأحبة.

كان من المفترض أن تكون رحلة قصيرة… لكنها تحولت إلى مأساة وطن.

كانوا عائدين إلى ديارهم، يحملون أماني العودة، وهم لا يعلمون أنهم عائدون لا إلى بيوتهم، بل إلى باطن الأرض… لا إلى أحضان أهاليهم، بل إلى حضن تراب تجكجة… تراب اشتاق إليهم أكثر مما اشتاقوا إليه.

الطائرة الهولندية “فوكير إف 28″، التي دخلت الخدمة في نوفمبر 1983، والتي احتفى بها الوطن في لحظة فخر عابر، لم تكن إلا تابوتا معدنيا مؤجلا، تخبئ في جوفها فاجعة لم يكن لأحد أن يتخيلها.

عشرون سنة من التحليق كانت كافية لتصير في لحظة طائرة الموت الجماعي.

حلقوا نحو الأهل، لكنهم ما وصلوا.

أو بالأحرى… وصلوا، لكن على هيئة رماد، ودموع، وصراخ وذهول.

صورة لا تنسى… طائرة تحوم في سماء تججة، تتردد، ثم تنخفض، ثم تنفجر.

صوت واحد اخترق سماء المدينة: الانفجار.

التراب امتزج بالدخان، واشتعلت النيران، واختلطت الأصوات:

صرخات تحت الركام، وعويل على المدرج،ولم تكن هناك مطافئ…

فقط دموع، فقط نواح، فقط حسرة.

الدي ولد آدبه، الشاعر التاگانتي، لم يكن فقط يرثي الركاب… بل يرثي الصمت. يرثي النسيان، يرثي غياب الكرامة في وداع الشهداء.

قالها بانفجار الشعر كما انفجرت الطائرة:

كيف لم تحرزوا دقيقة صمت؟

إن عاما من الحداد… قليل!

وفي لحظة، تفجرت الحقيقة الأكثر قسوة:

لم تبك الدولة، لم تعلن الحداد،بينما الناس كانت تحترق داخل هيكل الطائرة…وكانت الإذاعة تبث الطبول والغناء…وكأن شيئًا لم يكن.

كيف نبكي أفئدتنا تتلظى،

وإذاعاتنا… غناء وطبول؟

نعم، لم يكن بين الحياة والموت إلا حاجز هش…مجرد تذكرة.

ورحلة يفترض أن تكون عادية من العاصمة إلى تگانت…لكنها صارت نهاية.

في ذلك الصباح، توقفت عقارب الزمن في تجكجة.

لم تدون فقط أسماء الضحايا في سجلات الرحلة، بل نقشت على صدر الوطن.

وتحولت أرض المطار إلى مقبرة بلا شواهد،ونقطة في الذاكرة الجمعية للبلاد لا يمكن تخطيها.

واليوم، حين تستمع إلى أغنية “طيارة تججة”، بصوت الراحل الخليفة ولد أيده،لا تسمع مجرد غناء…بل تسمع عويلا مبحوحا، تسمع دموعا لم تجف،

تسمع تاريخا مختنقا بصمت طويل…فهو لم يغن فقط، بل نثر الأحزان شعرا ولحنا،وعاش الحدث بكل جراحه وشظاياه، حتى كاد صوته في الأغنية يتهشم كما تهشمت الطائرة.

ليت شعري، من كان يحسب هذه رحلة العمر؟

رحم الله ضحايا الرحلة 625.

ورحم الله الخليفة ولد أيده،

وجعل صوته شاهدا على فاجعة… لن تنسى.

النص من إعداد فريق الشؤون الفنية – ودان إنفو

يرافق هذا النص فيديو أغنية “طيارة تجكجة” بصوت الفنان الراحل الخليفة ولد أيده على الرابط:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى